الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

300

مختصر الامثل

ويقصد منهم هنا اليهود ، فاللَّه سبحانه يأمر نبيّه في هذه الآية أن يسألهم معاتباً عن علة كفرهم بآيات اللَّه في حين أنّ اللَّه يعلم بأعمالهم . والمراد من آيات اللَّه المذكورة في هذا المقام إمّا الآيات الواردة في التوراة حول النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وعلائم نبوّته ، أو مجموعة الآيات والمعجزات التي نزلت على نبي الأكرم ، وتحققت على يديه ، وكشفت عن حقانيته ، وصدق دعوته ، وصحة نبوّته . ثم جاءت الآية الثانية تلومهم قائلة : « قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ » . أي قل يا رسول اللَّه لهم لائماً ومندداً : إذا كنتم غير مستعدين للقبول بالحق ، فلماذا تصرون على صرف الآخرين عنه ، وصدهم عن سبيل اللَّه ، وإظهار هذا الطريق المستقيم في صورة السبيل الأعوج بما تدخلون من الشبه على الناس ؟ في حين ينبغي - بل يتعين - أن تكونوا أوّل جماعة تبادر إلى تلبية هذا النداء الإلهي ، لما وجدتموه من البشائر بظهور هذا النبي في كتبكم وتشهدون عليه . هل تتصورون أنّ كل ما تفعلونه سيخفى علينا ؟ كلّا . . . « وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » . إنّه تهديد بعد تنديد وإنّه إنذار بعد لوم شديد . وبعد أن ينتهي هذا التقريع والتنديد والإنذار والتهديد لمشعلي الفتن ، الصادّين عن سبيل اللَّه القويم ، المستفيدين من غفلة بعض المسلمين يتوجه سبحانه بالخطاب إلى هؤلاء المخدوعين من المسلمين ، يحذرهم من مغبة الإنخداع بوساوس الأعداء ، والوقوع تحت تأثيرهم والسماح لعناصرهم بالتسلل إلى جماعتهم وترتيب الأثر على تحريكاتهم وتسويلاتهم وأنّ نتيجة كل ذلك هو الابتعاد عن الإيمان والوقوع في أحضان الكفر ، إذ يقول : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ » . من هذا البيان اتضح أنّ المراد من الرجوع إلى الكفر - في الآية - هو « الكفر الحقيقي والانفصال الكامل عن الإسلام » كما ويمكن أن يكون المراد من ذلك هي تلك العداوات الجاهلية التي تعتبر - في حد ذاتها - شعبة من شعب الكفر وعلامة من علائمه وأثراً من آثاره لأنّ الإيمان لا يصدر منه إلّاالمحبة والمودة والتآلف ، وأمّا الكفر فلا يصدر منه إلّاالتقاتل والعداوة والتنافر . ثم يتساءل - في عجب واستغراب - : « وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَاتُ اللَّهِ